أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
81
عجائب المقدور في نوائب تيمور
الآفاق والأكناف ، ليوقفوا الناس على معالم دينهم ، ويبصروهم طرائق توحيدهم ويقينهم ، وبذل في ذلك الرغبات ، وأفاض على الوافدين منهم بحار الهبات ، وأقام حرمة العلم والعلماء ، وعظم شعائر الله تعالى وشرائع الأنبياء ، وكان عنده في ذلك الزمان ، وعند أوزبيك بعده وجاني بيك خان ، مولانا قطب الدين العلامة الرازي ، والشيخ سعد الدين التفتازاني ، والسيد جلال الدين شارح الحاجبية ، وغيرهم من فضلاء الحنفية والشافعية ، ثم من بعدهم مولانا حافظ الدين البزازي ، ومولانا أحمد الخجندي ، رحمهم الله فصارت سراي بواسطة هؤلاء السادات ، مجمع العلم ومعدن السعادات ، واجتمع فيها من العلماء والفضلاء ، والأدباء والظرفاء والنبلاء ، ومن كل صاحب فضيلة ، وخصلة نبيلة جميلة ، في مدة قليله ، ما لم يجتمع في سواها ، ولا في جامع مصر ولا قراها ، وبين بنيان سراي وخراب ما بها من الأمكنة ، ثلاث وستون سنة ، وكانت من أعظم المدن وضعا ، وأكثرها للخلق جمعا . حكي أن رجلا من أعيانها هرب له رقيق ، وسكن في مكان منحى عن الطريق ، وفتح له حانوتا ، يتسبب فيه ، ويحصل له قوته ، واستمر ذلك المهين ، نحوا من عشر سنين ، لم يصادفه فيه مولاه ، ولا اجتمع به ولا رآه ، وذلك لعظمها ، وكثرة أممها ، وهي على شط نهر متشعب من أتل ، الذي أجمع السواحون والمؤرخون وقطاع المناهل ، أنه لم يكن في الأنهر الجارية ، والمياه العذبة النامية ، أكبر منه ، وهو يأتي من بلاد الروس ، وليس له فائدة سوى اغتيال النفوس ، ويصب في بحر القلزم ، وكذلك جيحون ، وسائر أنهار العجم ، مع أن بحر القلزم محصور ، وعليه بعض ممالك العجم تدور ، مثل كيلان ، ومازندران ، واستراباد ، وشروان ، واسم نهر سراي سنكلا ، ولا يقطع أيضا إلا بالمراكب ، ولا يثبت عليه قدم لراجل ولا راكب ، وكم فرق تتفرق من ذلك البحر العريض الطويل ، وكل فرق أعظم من الفراه والنيل .